تحمل كثير من أخبار الاستثمار اليوم رائحة سياسية واضحة، ولا يظهر ذلك في مكان أكثر من الجدل الدائر حول الاستحواذات الخليجية والمخاوف التي أثارتها بشأن تركز القوة الاقتصادية، وما قد يترتب عليه في نهاية المطاف من تقييد استقلالية القرار المصري وسيادة الدولة، وقال عمرو عدلي، الكاتب والباحث في الشأن الاقتصادي والسياسي، إن هذه الحساسية ليست جديدة، بل تعكس حذرًا مصريًا متجذرًا منذ عقود من وضع الأصول الاستراتيجية أو الثابتة في أيدي مستثمرين أجانب.


وترتبط هذه المخاوف بجذور تاريخية عميقة، تعود إلى تخلي مصر عن حصتها في أسهم قناة السويس خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولذلك، ليس مفاجئًا أن تعود المخاوف المتعلقة بالسيادة إلى الواجهة كلما تضمنت صفقات كبرى بيع آلاف الأفدنة لمستثمرين خليجيين، أو منح امتيازات لإدارة مرافق عامة، أو تخفيف القيود المفروضة على تملك الأجانب للعقارات.


وبرزت هذه المخاوف بصورة أكثر حدة خلال الجدل الأخير حول تشديد شركة «إعمار» الإماراتية قواعد الوصول إلى الشاطئ في «مراسي»، المنتجع الفاخر على الساحل الشمالي. وسرعان ما تجاوز الخلاف نطاقه المحلي ليصبح قضية رأي عام، وهيمن على نقاشات وسائل التواصل الاجتماعي لأيام، كاشفًا عمق القلق الشعبي من تنامي الحضور الخليجي في سوق العقارات المصرية.


فهل ينبغي أن نشعر بالقلق على استقلالنا الوطني في وقت تبرم فيه الحكومة صفقات ضخمة بمليارات الدولارات لتطوير مناطق ساحلية مثل رأس الحكمة ورأس أبو بكر، بهدف الحفاظ على استقرار علاقاتها المالية مع العالم الخارجي؟

 


النيوليبرالية وراء مخاوف السيادة


كان شراء الحكومة البريطانية أسهم قناة السويس من الخديوي إسماعيل، الذي كان يعاني الإفلاس، عام 1876، أحد أبرز الصدمات المؤسسة للقومية المصرية الحديثة. ومهدت هذه الخطوة الطريق للاحتلال البريطاني لمصر بعد ست سنوات، عام 1882، والذي استمر لأكثر من سبعة عقود.


وتركت تلك التجربة أثرًا دائمًا في النظام القانوني المصري بعد الاستقلال وإعلان الجمهورية. وظلت التشريعات حتى عام 1996 تحظر تملك الأجانب للعقارات، وحتى بعد رفع الحظر، بقي الأجانب ممنوعين من تملك العقارات في المناطق الحدودية أو المناطق ذات الحساسية الخاصة، مثل شبه جزيرة سيناء.


ومن الناحية النظرية، تحمي التشريعات المصرية سيادة الدولة على أصولها ومرافقها العامة، كما تدعم أسس القانون الدولي هذه السيادة منذ تراجع القوى الاستعمارية عقب الحرب العالمية الثانية. ومهد هذا الإطار القانوني لموجات التأميم ونزع الملكية التي اجتاحت دولًا كثيرة خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي.


لكن مع انتشار السياسات النيوليبرالية منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين، بدأ نفوذ الشركات الأجنبية في التوسع، وأخذت الممارسات الفعلية على الأرض تبتعد بصورة متزايدة عن روح التشريعات القائمة.


وربما تقدم معاهدات الاستثمار الثنائية التي أبرمت خلال تلك الحقبة أوضح مثال على ذلك. فقد تضمنت هذه الاتفاقيات في كثير من الأحيان بنودًا تقيد حق الدول المضيفة في ممارسة سيادتها، ووصل الأمر إلى الحد من قدرة الحكومات على إصدار تشريعات جديدة أو اللجوء إلى المحاكم الوطنية، واستبدال هذه الآليات بالتحكيم الدولي أو باختصاص محاكم دولة ثالثة، غالبًا ما تكون الدولة التي ينتمي إليها المستثمر الفرد أو الشركة.


ولذلك، يحق للمصريين، مثلهم مثل غيرهم، أن يتعاملوا بحذر مع أي توسع مرتقب في حقوق الأجانب بتملك الأصول، سواء كانت أراضي، كما في مشروعات رأس الحكمة ورأس أبو بكر، أو مباني وموانئ ومرافق عامة أخرى. ورغم أن سيادة الدولة تحظى بحماية نظرية، أصبحت قدرة الدولة المضيفة عمليًا على الاحتفاظ بسيادتها مرتبطة بتوازن القوى بينها وبين المستثمر، وأحيانًا بالدول التي تقف خلف المستثمرين.


وتزداد هذه المخاوف عندما تكون الشركات أو صناديق الاستثمار المعنية مملوكة لدول أجنبية نفسها. وينطبق ذلك على صناديق الثروة السيادية والهيئات العامة والشركات المملوكة للدولة، وهي ظاهرة تميز جانبًا كبيرًا من رؤوس الأموال الخليجية والصينية المتدفقة إلى مصر وغيرها من دول العالم.

 


قوة موازنة تحافظ على توازن السيادة


ومع ذلك، ظلت سيادة الدولة صامدة إلى حد كبير في تعاملاتها مع المستثمرين، ولا سيما فيما يتعلق بملكية الأصول الثابتة الموجودة داخل أراضيها.


وقد تتعرض بعض جوانب هذه السيادة للتآكل بسبب الآثار المالية التي تنص عليها العقود، مثل التعويضات والغرامات، أو بسبب الشروط المرتبطة بإنفاذ اللوائح في مجالات مثل العمل والبيئة. لكننا لم نصل بعد إلى مرحلة يستطيع فيها مستثمر، مهما بلغت قوته، أو الدولة التي تقف خلفه مهما كان نفوذها، تحويل ملكية أحد الأصول إلى ممارسة فعلية للسيادة على جزء من أراضي دولة أخرى.


وتبرز تجربة جيبوتي مع شركة «موانئ دبي العالمية»، المشغلة للموانئ ومقرها دبي، مثالًا واضحًا على ذلك. ففي عام 2005، حصلت الشركة على امتياز لمدة 50 عامًا لتطوير موانئ جيبوتي.


ورغم صغر حجم جيبوتي وفقرها، استطاعت الدولة توظيف موقعها الاستراتيجي الفريد عند مدخل البحر الأحمر. وتستضيف البلاد قواعد عسكرية دائمة لقوى كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وإيطاليا والصين.


لكن جيبوتي طمحت إلى تجاوز الاعتماد على القواعد العسكرية، واتجهت إلى استغلال موقعها لتطوير ميناء بحري يقدم خدمات لوجستية ويستحوذ على حصة من التجارة العالمية. وطرحت «موانئ دبي العالمية» نفسها باعتبارها شركة قادرة على تنظيم هذا التحول من خلال تشغيل ميناء دوراليه.


واندلع لاحقًا نزاع بين الدولة والشركة بعدما أسندت بعض أعمال التطوير في المناطق المحيطة بالميناء إلى شركة صينية، ورأت «موانئ دبي العالمية» في ذلك خرقًا لشروط تعاقدها مع الحكومة الجيبوتية. وتصاعدت الأزمة إلى أن ألغت جيبوتي من جانب واحد امتياز الشركة عام 2018، وأخرجتها من البلاد.


وربط محللون تحرك جيبوتي ضد الشركة الإماراتية بتطورات إقليمية أثرت في توازن القوى الهش بمنطقة القرن الإفريقي، بما شمل إريتريا وأرض الصومال وإثيوبيا. ورأى آخرون أن القضية امتداد للتنافس الاستراتيجي بين الإمارات وقوى خليجية أخرى ذات ثقل.


ولم تنته القضية سريعًا، إذ لجأت «موانئ دبي العالمية» إلى التحكيم الدولي، ونجحت بالفعل في الحصول على حكم يقضي بتعويض من الحكومة الجيبوتية. لكن جيبوتي رفضت الاعتراف بالحكم، بحجة أن إلغاء امتياز غير عادل من جانب واحد يمثل ممارسة لسيادتها الأساسية. ولا تزال الأزمة القضائية والدبلوماسية بين البلدين مستمرة حتى اليوم.


وبكل الاحترام لجيبوتي، تمتلك دولة مثل مصر أوراق قوة ونفوذًا أكبر بكثير بفضل موقعها ومساحتها وعدد سكانها وقوتها العسكرية وثقلها الاقتصادي. فإذا استطاعت جيبوتي توظيف شبكة حلفائها الإقليميين والدوليين لمواجهة ما اعتبرته امتيازًا غير عادل لمستثمر أجنبي، فإن موارد مصر وقدرتها على التحرك في هذا المجال أكبر بكثير.


بل إن ميناء دوراليه نفسه قد يقدم مثالًا على الثقل الذي لا تزال مصر تتمتع به، بعدما حصلت على عقود لتطوير أجزاء من الميناء ذاته عام 2025. ورأى مراقبون في هذه الخطوة محاولة للحد من طموحات إثيوبيا وحلفائها في الوصول إلى سواحل البحر الأحمر.

 


مخاطر الاستثمار تكمن في تفاصيل العقود لا ملكية الأرض


ما تكشفه هذه التجارب هو أن الاستثمار الأجنبي في الأصول الثابتة ينطوي بلا شك على مخاطر، لكن لا ينبغي تضخيم هذه المخاطر أو تقديمها باعتبارها تهديدًا شاملًا للسيادة الوطنية يوازي ما شهدته مصر في قضية قناة السويس.


وتكمن المخاطر الأكثر أهمية في الشروط المالية والتنظيمية التي تجذب الاستثمارات، وفي الامتيازات الممنوحة والالتزامات التي تتحملها الدولة، وكذلك في حجم السيطرة التي تتنازل عنها عبر التفاصيل الدقيقة لكل اتفاق. أما مجرد انتقال ملكية الأرض داخل الأراضي الخاضعة لسيادة الدولة، فلا يعادل في حد ذاته فقدان السيادة.


وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة بالنسبة للدول الأصغر داخل النظام الدولي، وهي الدول التي تضيق قدرتها على المناورة بفعل قواعد وهياكل للقوة لا تستطيع إعادة صياغتها بسهولة وفق شروطها الخاصة.

 

https://almanassa.com/en/stories/33719